السيد عبد الأعلى السبزواري

26

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

عزّ وجل . قوله تعالى : لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ . والمراد بالطائفين القاصدين للبيت الحرام لأجل الطواف حوله ، والعكوف هو الإقبال عليه وملازمته على سبيل التعظيم ، والعاكفين الذين حبسوا أنفسهم للعبادة في بيت من بيوته جل شأنه . والرّكّع السجود جمع الراكع والساجد ، وكل فعل مصدره على فعول جاز في جمعه ذلك . وهما كناية عن الصّلاة ، لأنهما أبرز أفعالها . قوله تعالى : وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً . مادة ( ب ل د ) تأتي بمعنى القطعة المحدودة المعينة . من الأرض سواء كانت عامرة أو لم تكن ، قال تعالى : فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ [ سورة الفاطر ، الآية : 9 ] ، وغالب ما يستعمل في العرف إنما هو في الأولى . واستعملت في الحرم الأقدس الربوبي بأنحاء الاستعمالات ، قال تعالى : رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً [ سورة البقرة ، الآية : 126 ] ؛ وقال تعالى : رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً [ سورة إبراهيم ، الآية : 35 ] . والفرق في التنكير والتعريف أن الأول إنما صدر منه ( عليه السلام ) حين كان المحل واديا غير ذي زرع ، فدعا ( عليه السلام ) بأصل حدوث البلد في الجملة . والثاني إنما صدر منه بعد صيرورة المحل معرضا للبلدية . كما أن قوله تعالى : وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ [ سورة ، التين ، الآية : 3 ] ، وقوله تعالى : إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها [ سورة النمل ، الآية : 91 ] إنما نزل بعد استقرار البلدية وتوجه النّاس إليها من كل جانب فاختلاف التعبيرات إنما يكون باختلاف الحالات والخصوصيات . ومادة ( أمن ) تأتي بمعنى الطمأنينة ، وزوال الخوف ، وسكون النفس ، وقد استعملت جملة من مشتقاتها بالنسبة إلى الحرم الأقدس الإلهي ، قال تعالى : أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً [ سورة العنكبوت ، الآية : 67 ] ؛